جاري التحميل الآن
اتفاقية سايكس بيكو السرية

الشرق الاوسط الجديد بين التخطيط و المؤمرات

الخطوط التي نحتت الشرق الأوسط.. ولعنة ما زالت تلاحقه

(سايكس بيكو)

سايكس-بيكو الشرق الاوسط الجديد بين التخطيط و المؤمرات

لم تكن اتفاقية سايكس بيكو (1916) مجرد خريطة سرية رسمها دبلوماسيان بريطاني وفرنسي على أنقاض الإمبراطورية العثمانية.. لقد كانت بذرة التقسيم الاصطناعي الذي يشكل كابوساً وجودياً يطارد المنطقة حتى اليوم. فهي لم ترسم حدوداً على الورق فحسب، بل زرعت بذور الصراعات الطائفية والإثنية، وأسست لنموذج “الدولة الوطنية” الهشة في الشرق الأوسط. هذا المقال لا يروي التاريخ فقط، بل يحلل كيف تشكلت خريطة المنطقة بالدم، ولماذا تظل لعنة سايكس بيكو حية في كل أزمة.

١. ما قبل التقسيم: فسيفساء تحت مظلة واحدة

قبل الحرب العالمية الأولى، كانت المنطقة تُحكم من اسطنبول كـولايات عثمانية مترابطة بحدود إدارية مرنة. لم تكن هناك دول بالمعنى الحديث، بل تجمعات بشرية متداخلة (عرب، أكراد، تركمان، أرمن، آشوريون، وغيرهم) تعيش في إطار هوية إسلامية جامعة نسبياً، مع حضور قوي للروابط القبلية والمحلية. التنوع كان سمة أساسية، لكن الإدارة العثمانية المتدهورة لم تستطع صهره في بوتقة وطنية متماسكة.

٢. سايكس بيكو: المسمار الأول في نعش الوحدة المتخيلة

  • الخدعة الكبرى: في مقابل ثورة العرب ضد العثمانيين (بقيادة الشريف حسين) ووعدهم بالاستقلال (مراسلات حسين-مكماهون)، كانت بريطانيا وفرنسا تتقاسمان الغنيمة سراً.
  • مبدأ التقسيم: تقاسم النفوذ:
    • المنطقة الزرقاء (فرنسا): سوريا الداخلية، لبنان، الموصل (العراق).
    • المنطقة الحمراء (بريطانيا): جنوب العراق، موانئ حيفا وعكا (فلسطين)، الأردن.
    • المنطقة البنية (تدويل): القدس والأماكن المقدسة.
    • منطقة النفوذ “أ” (عربية تحت الوصاية الفرنسية): شرق سوريا.
    • منطقة النفوذ “ب” (عربية تحت الوصاية البريطانية): شرق الأردن، وسط العراق.
  • الهدف الخفي: ضمان سيطرة القوتين الاستعماريتين على الممرات الاستراتيجية (قناة السويس، مضيق هرمز) والموارد (النفط المتوقع) ومنع قوة إقليمية موحدة من الظهور.

٣. من الاتفاقية السرية إلى الحدود الدامية: آليات التمزيق

لم تكن سايكس بيكو وحدها، بل كانت اللبنة الأولى في نظام استعماري كامل تم تطبيقه عبر:

  • اتفاقية سيفر (1920) ثم لوزان (1923): تقطيع جسد الأناضول والشرق العربي، وإنكار حقوق الأكراد والأرمن.
  • نظام الانتداب (ميثاق عصبة الأمم): غطاء “قانوني” للهيمنة (فرنسا على سوريا ولبنان، بريطانيا على العراق وفلسطين وشرق الأردن).
  • رسم الحدود بقلم المسطرة:
    • تجزيء بلاد الشام: فصل سوريا ولبنان وفلسطين والأردن.
    • اقتطاع الموصل من سوريا وضمها للعراق (لمواردها النفطية).
    • تجاهل التركيبات الديموغرافية:
      • تقسيم الأكراد بين تركيا والعراق وسوريا وإيران.
      • وضع مناطق عربية شيعية في دولة العراق السنية الهاشمية.
      • خلق لبنان ككيان طائفي هش.
      • وضع فلسطين تحت الوعد المشبوه (وعد بلفور 1917).
  • خلق كيانات هجينة: زرع أنظمة حكم محلية (ملكيات في العراق والأردن، جمهوريات لاحقاً) مرتبطة مصالحها بالدول المنتدبة، لا بإرادة شعوبها.

٤. لعنة مستمرة: كيف تشكل سايكس بيكو أزماتنا الحديثة؟

  • الدولة الهشة: معظم دول المنطقة هي “دول-قبيلة” أو “دول-طائفة”، تفتقر للشرعية الوطنية الجامعة. السلطة غالباً ما تستند لقبضة أمنية أو هوية فرعية (طائفية/قبلية).
  • صراعات الحدود والهوية:
    • المطالبات الكردية (العراق، سوريا، تركيا).
    • الصراع السني-الشيعي (العراق نموذجاً).
    • أزمة لبنان الطائفية المزمنة.
    • الصراع العربي-الإسرائيلي (وعد بلفور كان جزءاً من نفس اللعبة).
  • التدخلات الخارجية: ضعف الكيانات جعلها ساحة صراع للقوى الإقليمية (إيران، تركيا، السعودية) والعالمية.
  • “داعش” كابن غير شرعي لسايكس بيكو: ظهور تنظيم إرهابي يدعو لمحو الحدود (الخلافة) كان رد فعل متطرفاً على فشل الدولة الوطنية المرسومة من الخارج.
  • قضية فلسطين: وضعت تحت الانتداب البريطاني الذي مهد لقيام إسرائيل، مما خلق جرحاً نازفاً في قلب المنطقة.

٥. هل يمكن تجاوز لعنة سايكس بيكو؟ جدل المستقبل

  • المتشائمون: يرون أن الكيانات الحالية “فاشلة بالتصميم”، وأن الحل قد يكون في فيدراليات أو كونفيدراليات إثنية/طائفية (كردستان، دولة علوية في سوريا، تقسيم العراق) – وهو سيناريو خطير يعيد إنتاج التقسيم بأسوأ صورة.
  • المتفائلون (جزئياً): يؤمنون بإمكانية إصلاح الدولة الوطنية عبر:
    • دساتير عادلة تعترف بالتنوع وتضمن المشاركة.
    • العدالة الاجتماعية ومحاربة الفساد.
    • التكامل الاقتصادي الإقليمي (رغم الصعوبات السياسية).
  • الراديكاليون: يدعون لـ “نظام إقليمي جديد” مبني على إرادة الشعوب، ربما عبر اتحادات طوعية (مشروع الشرق الأوسط الجديد يطرح نفسه هنا، لكنه يواجه نفس إرث الشكوك والصراع).

٦. الخلاصة: خطوط من الدم.. ومستقبل غامض

سايكس بيكو لم تختفِ. إنها تتجلى في كل حدود مصطنعة تشهد حروباً، وفي كل نظام هش يقمع شعبه خوفاً من الانفجار، وفي كل خطاب طائفي يستدعي الهويات ما قبل الوطنية. التقسيم كان جريمة تاريخية، لكن الخروج من عبئه يتطلب أكثر من شجب الماضي.
يتطلب شجاعة في الاعتراف بفشل النموذج القائم، وإرادة حقيقية لبناء عقد اجتماعي جديد قائم على المواطنة لا على الانتماءات الضيقة، وتعاوناً إقليمياً يضع مصالح الشعوب فوق حسابات الأنظمة. حتى يتحقق ذلك، ستظل أشباح مارك سايكس وفرانسوا جورج بيكو تحوم فوق كل أزمة، تذكرنا بأن الشرق الأوسط ما زال يسكن في السجن الذي بنياه له منذ أكثر من قرن.


هذا المقال لا يقدم رواية تاريخية جافة، بل يحلل العلاقة الجدلية بين ذلك التقسيم المشؤوم ومأساة الحاضر. إنه دعوة لإدراك أن فهم الشرق الأوسط المعاصر يبدأ من فك شيفرة تلك الخطوط التي رسمت قبل قرن.. خطوط ما زالت تنزف.

إرسال التعليق